اخر الاخبارفي العمق

الفشينيستات للتغطية على المشكلات

كتب/ د. سيف السعدي

في العراق معادلةٌ وكأنها أصبحت ظاهرة من أبرز الظواهر وهي كلما كانت هناك مشكلة تهدد مصالح العملية السياسية، كلما ظهرت فضائح للتغطية على أصل المشكلة الحقيقية، وهذا أصبح متعارف عليه داخل الساحة السياسية العراقية، من أجل تظليل الرأي العام ولفته من المشكلة الحقيقية إلى مشكلات أُخر مفتعلة، وهذا ما قاله المفكر الإيراني علي شريعتي في كتابه الموسوم “النباهة والاستحمار” وذكر بالأسلوب الذي تتبعه السلطات باستحمار الشعوب باختراق قضايا تلهيهم عن المشكلة الاصلية، وهذا ماحذر منه ايضاً عالم المنطق الامريكي (نعوم تشومسكي ) اذ يقول “السلطة حين تريد الهاء الناس ستعمل على تحويل انظار الرأي العام عن المشكلة الحقيقية تشغله بمشاكل تافهة اخرى لا اصل لها ولا اهمية، وتبقي الجمهور مشغولا دون ان يكون لديه اي وقت للتفكير”، وهذا ما يحصل تماماً اليوم تُطرح قضية من قبل سياسي ما فتصبح حديث الشارع ولربما تتسبب في أزمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وهنا تنطلق جيوش المستشارين لإعطاء الحلول منها افتعال مشكلة اخرى للتغطية على حدث ما، وللرأي العام أدوات ووسائل قياس ومقارنة، كلما حصلت مشكلة سياسية نجد بعدها بيوم فضحية لتحويل مسار الضغط، وعن تجربة كلما تعقدّت الأزمات واشتدّ حرج بعض صانعي القرار السياسي في العراق أمام الرأي العام، زادت إمكانية افتعال الأزمات الوهمية وضبط ايقاعها لتطغى على المشكلة الأساسية، وتزداد خطورة هذه الآلية مع تطور تكنولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن الذكاء الاصطناعي، التي تحولت معها من آليات للتواصل إلى قنوات حقيقية للضغط وتوجيه الرأي العام، ما سمح ببروز عدد من المؤثرين الذين يحظون بمتابعات واسعة في أوساط المجتمع بكل مكوناته، وذلك من خلال ترويج محتويات سياسية وقد تكون فنية، بأشكال مبهرة، لا يخلو جزء كبير منها من مضامين تافهة، يحركها الهدف الأساسي هو الشهرة، والكسب السريع للمال، وكثيرا ما تمس مواضيعها بحقوق الإنسان، بل وتحرض أحيانا على العنف والكراهية، أو تسقط في نشر التفاهات والإشاعات والمعلومات الخاطئة، والجري وراء الفضائح وافتعالها، ولا يخلو الترويج للتفاهة من خطورة حقيقة ممكن تطال المجتمع والدولة معا، فكثيراً ما يتم الترويج لعدد من المضامين السطحية وتحويلها إلى قضايا رأي عام، على حساب ملفات هامة وحارقة تؤرق بال فئات واسعة من المجتمع، ما يشكل هدرا للطاقات والفرص وانحرافا بالنقاشات العمومية، كما أن هذا الترويج غالبا ما يوازيه تغييب ملحوظ لأدوار عدد من القنوات الوسيطة داخل المجتمع التي يفترض أن تحظى بمهام ومسؤوليات سياسية واجتماعية وثقافية وتعليمية، كما هو الشأن بالنسبة للأحزاب السياسية والنقابات، والإعلام المهني، وهيئات المجتمع المدني، ومختلف المؤسسات التعليمية، باعتبارها صمام أمان داخل المجتمعات،
على سبيل المثال في شهر رمضان المبارك يتم التركيز على اللقاءات التي تُجرى مع القادة والفواعل السياسية، ويتم طرح قضايا من شأنها التأثير على احزاب السلطة، أو العملية السياسية مثلما طرح السيد مشعان الجبوري بخصوص “المحكمة الاتحادية” واصبح التصريح حديث الرأي العام، ولكن بوقت قياسي قصير تم اثارة فضيحة عميد كلية في جامعة البصرة، علماً ان الحادثة وقعت قبل شهر رمضان ولكن توقيت نشر الفضيحة جاء بعد التصريح الخطير الذي صرح به السيد مشعان الجبوري بوقت قصير!!! وقبلها احداث سياسية ومشاكل تحدث يتم تغطيتها بفضيحة اخرى ولاسيما إذا كانت المشكلة تمس فواعل سياسية متنفذة، من ثم فضيحة اخرى تطال ضباط برتب عالية في وزارتي الدفاع والداخلية بتهمة “الابتزاز”، وفضيحة اخرى تتعلق بفشينيستات وعلاقتهم بسياسيين، وهذا الامر ممنهج ويعزز الفرضية التي تم إثباتها وهي كلما كانت هناك مشكلة سياسية تصبح قضية رأي عام، كلما تتبعها فضيحة جنسية لتحويل مسار الرأي العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى