اخر الاخبارفي العمق

اشكالية الدولة بين غياب المجتمع وبروز التجمعات

إن غياب الهوية الوطنية وبروز الهويات الفرعية أسهم إسهامًا فعليًا في غياب مسمى الدولة العراقية ولاسيما بعد عام ٢٠٠٣، ولعل السببيكمن في وجود التعددية الاثنية التي لم تنصهر في بوتقة المجتمع الحديث والدولة الحديثة، وإلا كيف لنا أن نمارس الحرية والديمقراطية مندون كيان دولة يوفر لها هذه البوتقة اللازمة التي تتفاعل فيها المؤسسات بعيداً عن منطق التعصب التقليدي، لأن الدولة القوية بحاجة إلىمجتمع متماسك وليس تجمعات بشرية، وعلماء الاجتماع يفرقون بين المجتمع والتجمعات، لأن الأول يميل إلى الدستور والقانون ومظلة الدولةومؤسساتها، أمَّا الثاني يميل إلى العشائرية والقبلية، والعنصرية، والمذهبية، والقومية وهنا يبرز السبب الرئيس لغياب الدولة العراقية، واصبحلدينا حكومة وسلطة وأحزاب تتنافس من أجل الاستحواذ والنفوذ وبناء المجد الشخصي والحزبي على حساب بناء الدولة ومؤسساتها، فمُنذتأسيس الدولة العراقية الحديثة عام (١٩٢١) لغاية يومنا هذا لم يكنللمجتمع العراقيأي دور في بناء الدولة العراقية وحمايتها، بسببحالة الانقسام التي يعيشهاالمجتمع، وهذا يثير اشكالية الانتماء إلى (الدولةالوطنالأمة)، وهذا الذي كان يعاني منه الملك فيصل الأول(رحمه الله )الذي نجح في تأسيس دولة عراقية حديثة إلا أنه لم يستطع القيام بتأسيس مجتمع حديث ، وله رسالة قبل وفاته عام (١٩٣٣) نقلها المؤرخ العراقي عبدالرزاق الحسني  في تاريخ الوزارت العراقيةأقول وقلبي ملآن أسى إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعبعراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية، خالية من أي فكرة وطنية، مشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء ميالونللفوضى،

ولعله استمد هذا المنطق من كلام الجاحظ عن صراع علي ومعاويةقال أهل الشام مطيعين واهل العراق عندهم علة العصيان والتنقيبوالنظر واتعبوا عليًا ” ( عليه السلام )، اي أنَّ هناك اهتمام للطائفة أكثر من الوطنية أو الدولة، فضلاً عن انهيار المنظومة القيميةللمجتمعالعراقي لذلك تجد حالة الفساد لا تشكل لاهتمامهُ شيء، عكس إذا أحرز المنتخب الوطني هدفًا ، تجد مواقع التواصل تشتعل، أو عندماتُغتصب فتاة فان الدنيا تقوم ولا تقعد، وسائل إعلام مواقع تواصل اجتماعي، عشائر، دين ، ولكن عندما تغتصب الدولة ماذا يحصل؟؟منظومة الشرف الحقيقية أين؟؟، هناك قداسة لكل شيء داخل العراق أمَّا العراق كأنَّه منظومة دولة لا أهل له.

مع كل هذا الانقسام الحاد فإني أعدُّ الشعب العراقي في هذه المرحلة الراهنة هو من أكثر شعوب العالم ولعاً بالسياسة والتي أسهمت هيالاخرى بأن تكون من عوامل هذا الانقسام، لذلك تناول عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي في كتابهطبيعة المجتمع العراقيقصة طريفةخلاصتها أن الإسكندر المقدوني كتب بعد فتحه للعراق إلى أستاذه أرسطو طاليس يقول لهلقد أعياني أهل العراق، ما أجريت عليهم حيلةإلا وجدتهم قد سبقوني إلى التخلص منها، فلا أستطيع الإيقاع بهم، ولا حيلة لي معهم إلا أن أقتلهم عن آخرهم، فأجابه أرسطو طاليسقائلاًلا خير لك في أن تقتلهم، ولو أفنيتهم جميعاً، فهل تقدر على الهواء الذي غذى طباعهم؟ فإن ماتوا ظهر في موضوعهم من بشاكلتهمفكأنك لم تصنع شيئاً، وهذه القصة تذكرني بكلام الجاحظ اذ قال  إن العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء هي أنهم أهل نظرةوفطنة ثاقبة، ومع النظر والفطنة يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والترجيح، ومازال أهل العراق موصوفون بقلةالطاعة وبالشقاق على أولي الرئاسة، ولو قارنا أهل العراق بأهل الشام لرأينا الفرق، لأن أهل الشام اعتادوا على طاعة حكامهم ويأتمرونبأمرهم، عكس أهل العراق يجادلون وينقبون، لذلك أهل الشام مطيعين لمعاوية، وأهل العراق أتعبوا علي ابن أبي طالب، ( عليه السلام )ومنالأقاويل التي شاعت بإن أهل العراق هم أهل غدر مثلما فعلوا مع الحسين بن علي (عليه السلام)، أرسلوا له رسائل كثيرة لأظهار المبايعةوالطاعة من ثم بعدها قتلوه، ويروى أن السيدعلي بازركانفي عام (١٩٢١) كان في ضيافة الملك حسين في مكة المكرمة عندما وصلتإلى الملك برقية من بعض رؤساء العراق يطلبون منه ابنه فيصل لتنصيبه ملكاً على العراق، وقد سأل الملك ضيفه قائلاًولكني أخشى يا شيخأن يعامل أهل العراق فيصلاً كما عاملوا جده الحسين من قبل، وهذا يقودنا إلى نتيجة مفادها أن المجتمع العراقي يختلف بطبعه عن باقيالمجتمعات تجده ثائر على الحق والباطل.

وتكمن اشكاليات غياب هوية الدولة العراقية في غياب الاندماج الوطني وهذا  يؤدي إلى ضمور فرضية الكتلة الوطنية ونيل القبول العاملبرامجها، مما يؤخر فرصة بناء مجتمع مدني، لأن الانقسامات الإثنية هي ضد التصرف العقلاني للمواطن، وتحرمه من ممارسة حريتهالفردية، وتقف عقبة في وجه التحول الديمقراطي، والانقسامات الإثنية والقبلية والثقافية، والمذهبية، والقومية عندما تتعمق فلن يكون ثمة معنىلهوية الدولة والمواطنة، وماهي الفائدة من نظام ديمقراطي حديث بالمقابل لا يوجد مجتمع وإنما تجمعات بشرية خالية من اي فكرة وطنية، لأنالديمقراطية تقبل بالحد الأدنى من الهوية الوطنية، وعندما يكون لدينامجتمعمنقسم على نفسه إثنياً وقبلياً وعشائرياً ودينياً، وقومياًتصبح عملية التحول الديمقراطي عملية صعبة، لأنها لا تشتمل على عقد مجتمعي، وصراعات اليوم ونتائجها في ضعف الاندماج الوطنيسببها عدم تأسيس الحياة المجتمعية على القبول المتبادل بين مكوناته، وغياب الاندماج الوطني يؤدي إلى شيوع الطائفية والطائفيةالسياسية، فعندما يستشعر البعض أن الآخرين سيحصلون

والله على الأفضلية فقد تُجهض عملية التحول الديمقراطي، فالصراع الطائفي يجعل عملية التحول الديمقراطي أمراً صعب المنال، وقد يقودهذا الصراع إلى سلطوية وهيمنة حكم الأكثرية وإقصاء الأقليات مثلما تشهدها الساحة العراقية بعد (٢٠٠٣)، شيئاً فشيئاً تحاول فواعلسياسية في العراق من التعامل مع الشركاء والمكونات ضمن معادلة الاستتباع وليس التوافق والشراكة، وتحاول تدجين الآخرين ضمنمشروعهم السياسي مستخدمين سياسةالقهر الشرعي، وهذا لن يعزز بناء دولة قوية ومؤسسات رصينة وإنما يجسد الانقسام السياسيوهذا ينعكس على طبيعة المجتمع الذي هو الاخر يعاني من الانقسام الحاد اصلاً.

لعل الدكتور علي الوردي شرح المجتمع العراقي وطبيعته لذلك نجد في كتابهطبيعة المجتمع العراقيصفحة (٤١٥) لخص هذه الطبيعةبعدة أسطر منهاإن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب عربي آخر،بإستثناء لبنان، وليس هناك طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه، حيث يُتاح لكل فئة منه أن تشارك فيالحكم حسب نسبتها، العددية وينبغي لأهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية وهذا هو أوان الاعتبار، فهل من مُدَّكِر ؟؟

د.سيف السعدي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى