اخر الاخبارفي العمق

تكوين الإقليم هل هي معادلة تساوي تقسيم؟

كتب/ د. سيف السعدي

كلما تهدأ عاصفة من عواصف الازمات السياسية تُثار زوبعة لتعصف بصرصرها من جديد وتحمل بين طياتها غبار الاقليم والتقسيم ، ويستعمل كأداة للتلويح والتهديد، أو حالة من الاحتجاج على مسار سياسي معين أو على معادلة الحاكمية التي يتم فيها اقصاء وتهميش مكون على حساب آخر، وعندما يتم طرح موضوعة الإقليم من قبل جهة سياسية فأن الجهة الاخرى تسوق هذا المطلب ضمن معادلة التقسيم (إقليم= تقسيم)، من أجل إثارة الرأي العام وكسب عاطفتهم بشعارات الوحدة الوطنية، والعراق الموحد، ومصطلح الوطنية والمواطنة، إلا أن في الواقع هناك قفز على الدستور والقانون، والسبب يمكن في أمرين لا ثالث لهما، الاول : لعله يتعلق بجهل وعدم الوعي ومعرفة مواد الدستور والقانون، والثاني هو مجاملة الأطراف السياسية على حساب حق كفله الدستور والقانون،علماً إن المادة (١٣/اولاً) من الدستور تنص على “يعد هذا الدستور القانون الأسمى والأعلى في العراق، ويكون ملزماً في أنحائه كافة، وبدون استثناء”، وإذا ما اردنا ان نُجيب على عنوان المقال “تكوين الإقليم هل هي معادلة تساوي تقسيم؟؟” الجواب يكمن في المواد الدستورية الآتية:
المادة (١١٦) نصت على “يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية”، بينما المادة (١١٧/ثانياً) نصت على “يقر هذا الدستور، الأقاليم الجديدة التي تؤسس وفقاً لأحكامه”، اما المادة (١١٨) نصت على “يسن مجلس النواب في مدة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ أول جلسة له، قانوناً يحدد الإجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الأقاليم، بالأغلبية البسيطة للأعضاء الحاضرين”، وهذا القانون تم تشريعه بتاريخ (١١/ ٢/ ٢٠٠٨) بالعدد (٤٠٦٠) وهو قانون رقم (١٣) لسنة ٢٠٠٨، الذي ينظم عملية تكوين الأقاليم وفق أسس ومراحل، مثلما نصت عليه المادة (١٩) من الدستور العراقي “يحق لكل محافظة أو أكثر، تكوين إقليم بناءً على طلب بالاستفتاء عليه يقدم بإحدى طريقتين:
اولاً: طلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم.
ثانياً: طلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم.”، وهذا نصت عليه المادة (٢) من القانون رقم (١٣) لسنة ٢٠٠٨، بينما المادة (٣) من نفس القانون نصت على “أ/ يقدم طلب تكوين الإقليم إلى مجلس الوزراء موقعاً من رؤساء أو الممثلين القانونيين لمجالس المحافظات أو المجالس التشريعية للأقليم حسب الأحوال خلال مدة لا تتجاوز أسبوع”، اما الفقرة “ب/ يكلف مجلس الوزراء المفوضية العليا للانتخابات خلال مدة لا تتجاوز (١٥) يوماً من تقديم الطلب بإتخاذ إجراءات الاستفتاء ضمن الإقليم المراد تكوينه خلال مدة لا تتجاوز الثلاثة شهور”، لدينا تجارب سابقة تخللتها مشكلات فعلى سبيل المثال اجراءات مجلس محافظة صلاح الدين قبل احتلال داعش الأرهابي للمحافظة قدموا الى مجلس الوزراء طلبًا من اجل تشكيل اقليم ولم يتم تحويل الطلب إلى المفوضية لإكمال الاجراءات، وهناك طلبات اخرى تم تجميدها مثل محافظة ديالى ونينوى، والأنبار، بسبب عدم وجود رغبة من قبل الاحزاب الحاكمة بتكوين أقاليم جديدة على الرغم من وجود مواد في الدستور العراقي تتيح التشكيل، وتصوير وتسويق الموضوع على انه تقسيم.
من الجدير بالذكر إن ‏العدالة السياسية أحد أهم كتب (ويليام جودوين )الذي يعد مرجعاً من مراجع التفكير الفلسفي، عام (١٧٩٣) حيث عدَّ جودوين أن النظام الفيدرالي هو أفضل الأنظمة وانسبها لإحلال محل الحكومة السياسية، والتي وصفها الآلة الوحشية التي كانت العلة الدائمة لمساوئ البشر، ولاسيما في بلد يعاني من انقسام مجتمعي حاد وتغليب الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، ومثلما قال الجاحظ “إن العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء هي أنهم أهل نظرة وفطنة ثاقبة، ومع النظر والفطنة يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والترجيح، ومازال أهل العراق موصوفون بقلة الطاعة وبالشقاق على أولي الرئاسة”، لذلك لا وجود لهوية الدولة وإنما الحاكمية لأحزاب السلطة، والسلاح المُنفلت، مع ظهور الهوية العشائرية، والطائفية، والمذهبية، والقومية على حساب هوية الدولة للأسف، ورسائل الملك فيصل رحمه الله عام ١٩٣٣ دليل على طبيعة الشعب العراقي، لأن المشكلة في المجتمع نفسه، وهذا الانقسام ليس سببه التغيير بعد ٢٠٠٣ قط ، وإنما قبل هذا التأريخ غير أنه ظهر بشكل علني وواسع بعد إسقاط النظام وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام.

أستغربُ من وصف الإقليم بمعادلة التقسيم!!! على الرغم من وجود مواد دستورية وهي (١) من الدستور العراقي تنص على “جمهورية العراق دولة أتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي، وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق”، ولا يمكن تقسيم البلد إلا إذا تم تعديل هذا الدستور وفق ما نصت المادة (١٢٦، ١٤٢)، والكل يعلم خطوات التعديل صعبة ومعقدة بسبب العرف السياسي الذي حول الدستور من حالة الجمود النسبي المؤقت إلى حالة الجمود المطلق، لذلك لا مجال لتقسيم العراق، ومن المفارقات العجيبة إن من صوت على الدستور وشرع مواده وأقصدُ “قادة الشيعة” الان يرفضون الحديث عن تشكيل الأقاليم!! على الرغم من مباركة مرجعيتهم في النجف للدستور عام ٢٠٠٥، وهم ايضاً من صوتوا على قانون رقم (١٣) لسنة ٢٠٠٨، ولا أعلم لماذا هذه الازدواجية؟ ولدينا تجربة استفتاء عام (٢٠١٧) عندما اقدم إقليم كردستان على استفتاء الانفصال عن العراق، وانتهى الأمر بتجميد الاستفتاء، لأن التوجه الدولي والإقليمي ليس مع انفصال الأكراد عن العراق، ولاسيما هناك خشية من نجاح تجربة إقليم كردستان من إيران وتركيا بسبب وجود حلم كردي لقيام الدولة الكردية الكبرى، مثلما حصل عام ١٩٤٦ وهو قيام دولة (مهاباد).

ممكن التوقيت غير مناسب لأنشاء الأقاليم ولكن يبقى حق كفله الدستور، ومن الخطأ بل يصل حد الخطيئة ان يربط الإقليم بمعادلة التقسيم، وإنما إدارة حكم وفق اللامركزية مثلما يحصل في إقليم كردستان العراق، فضلاً عن (٢٥) دولة من دول العالم نظامها فدرالي، ووفق اطلاعي على طبيعة المجتمع العراقي، ومعادلة الحكم، وطريقة تفكير قادة الاحزاب، وبروز الهويات القومية والمذهبية، والعمل بمعادلة الاستتباع فإن النظام الصحيح لقيام الدولة العراقية بصورة صحية هو النظام الفدرالي، وإدارة البلد وفق نظام الإدارة اللامركزية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى