اخر الاخبارفي العمق

من الفضيلة إلى الرذيلة الغاية تبرر الوسيلة

كتب/ د.سيف السعدي

إذا كان الفضل يرجع لأرسطو في منهجه المعرفة والتي قام عليها منهجه بالتفكير السياسي بوجه عام، واعتماد المنهج الاستقرائي بوجه خاص، وإذا كان افلاطون قد أمد التفكير السياسي بطاقة الخيال الخلاقة والبناءة، وإذا كان ابن خلدون قد زود الفكر السياسي بالمادة الموضوعية، وربطه ربطاً محكماً بالاجتماع والاقتصاد وفلسفة التأريخ، فإننا نجد أن مكيافيلي قد حقق انفصال التفكير السياسي عن الأخلاق انفصالاً جلياً واضحاً، وقد انطلق مكيافيلي من اعتباره أن غاية السياسة هي المحافظة على قوة الدولة والعمل على ازديادها، قد عنى في كتاباته بالوسائل التي تستطيع الدولة عن طريقها أن تحقق قوتها، وتتمكن من توسيع سلطاتها في الخارج، ولم تكن الوسائل التي قصدها قائمة على المقاييس والمعايير الاخلاقية المسلَّم بها، والهدف هنا هو تحقيق الغاية المنشودة، ولا عبرة في الوسيلة الموصلة إليها، ومن هنا جاء تبرير مدح مكيافيلي للحكام الذين يحققون تركيز سلطتهم وقوة دولهم، دون الوضع في الاعتبار الوسائل التي لجأوا إليها واستخدموها لتأمين ذلك، ودون مرعاة عدم ارتباط هذه الوسائل بالقيم والمسلمات الأخلاقية، وهذا ما دعا دوفرجيه عند مقارنته مكيافيلي بأرسطو إلى ان يقول “لقد اوجد ارسطو الركن الأول في علم السياسة وهو اعتماد منهج الملاحظة، وأوجد مكيافيلي العنصر الثاني وهو المنهج الموضوعي المتجرد من الاهتمامات والاعتبارات الخلقية”، ولكن من الجدير بالذكر إلى أن مكيافيلي عندما فضل استخدام الحاكم للوسائل المنافية للأخلاق سبيلاً لتحقيق اهدافه التي يسعى اليها، فإنه من جهة أخرى أكد أن الدولة القوية لا يمكنها الحفاظ على كيانها إلا على اساس أخلاقي، وقد قام مكيافيلي بربط أخلاقية المواطن بأخلاقية الدولة.

من هنا يجب الاشارة إلى أن السياسة المستخدمة حالياً في العراق وكثير من الدول لا تستند إلى اسس أخلاقية، وموضوعية، وعملية، ودائماً يستشهدون بقول ان السياسة “فن الخساسة”، و “بيت اللؤم”، و “ثوب العاهرة” وكثير من العبارات التي يستندون عليها لتبرير اعمالهم وتمريرها على الرأي العام بغلاف العبارات السابقة، ومن يقول في السياسة لا توجد فضيلة وأنما فقط رذيلة واهم جداً، لان مثلما أشار مكيافيلي في كتاب الامير، الدولة القوية لا يمكنها الحفاظ على مكتسباتها وكيانها إلا عن طريق الاساس الأخلاقي، لذلك نجد ان هناك نوعين من العمل السياسي كالاتي:

الاول: عمل سياسي أخلاقي: الذي يعتمد على حفظ القيم الأخلاقية، حتى ولو كان الوصول عبرها للهدف مكلف أكثر، مثل حركة (المهاتما غاندي) الذي انتفض في وجه الاستعمار البريطاني، ووصل إلى هدفه, فقد أخذت الهند استقلالها من خلال حركة سلمية بدأت صغيرة، إلى أن شملت كل الهند, مما اضطر الاستعمار البريطاني للرضوخ لمطالب الشعب الهندي.

الثاني: عمل سياسي غير أخلاقي: الذي يعتمد على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، حيث أنه مع كون الهدف جيداً، فلا مانع من سلوك الطرق التي لا تراعي الأخلاق، ويبحث عن الطريق الأقصر والأقل كلفة، دون مراعاة للضحايا التي تسقط، مثل حركة هتلر الذي أدخل العالم بحرب عالمية لتحقيق أحلامه، أدت إلى قتل الملايين من الناس وغيرت وجه العالم.

ومن الطريف اعتبار عبارة “المكيافلية” كصفة في كل استشهاد أو صفة للخبث والمكر والدهاء والغدر والفساد في السلوك والأخلاق، ولكن بنفس الوقت مكيافيلي يبرر قيام الامير أو الحاكم أو الرئيس أو الزعيم بأي عمل لتحقيق تقوية الدولة والحفاظ عليها، حتى لو كان مخالفاً للقوانين والأخلاق، اي بمعنى في الأمور ينبغي النظر للغاية وليس للوسيلة، ومنها يُنسب خطأ إلى مكيافيلي القول المأثور “الغاية تبرر الوسيلة”، ولكن هذا السلوك يُتبع لتحقيق الدولة ليس إلا، وإن لزم الأمر يجب أن يأتي قبل قناعات الحاكم الأخلاقية الشخصية، ليس لكونه الحاكم أو القائد وإنما خادم الدولة، لذلك في العراق قواعد اللعبة السياسية مختلفة جداً بسبب تركيبة الطبقة السياسية التي تحتوي على عناصر هي جزء لا يتجزأ من بُنية الطبقة السياسية مثل الفساد والاعمال التي تخرج عن دائرة الفضيلة إلى مسار الرذيلة، وهذا الشيء اصبح عرف متعارف عليه داخل العراق، ولا يشكل أي حافز ليكون عامل يدفع السلطات للمحاسبة، فضلاً عن المجتمع العراقي، وذلك للاسف تحول إلى تجمعات بشرية تؤمن بالهويات الفرعية مثل بالعشائرية، والمذهبية، والقومية، والاسلامية أكثر من هوية الدولة، ولك ان تتخيل عندما تغتصب فتاة نجد العرف العشائري، والدين، والقانون حاضر، ولكن!!! عندما تغتصب الدولة لا يحرك ساكن، لذلك يجب ان تكون الغاية هي بناء الدولة وحماية مؤسساتها وليس الوسيلة التي تنحرف عن المسار الاخلاقي والقانوني، والديني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى